|
انحبست الانفاس منذ ايام في
انتظار لحظة عدّها الجميع مفصلية،
وكادت ان تعطل الحياة السياسية،
حتى في بعدها المعارض الجارف، في
انتظار صدور "التقرير"، والمقصود
طبعاً الوثيقة التي اعدتها اللجنة
المنتدبة من الامم المتحدة لتقصي
الحقائق حول اغتيال رفيق الحريري.
لكن ما حصل في الاسابيع الخمسة
الاخيرة، وخصوصاً في مطلع الاسبوع
الماضي، لا يتوقف عند التقرير،
مهما تكن مفاعيله الكبيرة
المتوقعة. فالتخريب الامني الذي
بدا اخيراً في حركة تصعيدية، لن
يمحو التقرير، اياً يكن محتواه
واياً تكن لهجته.
ما شهده لبنان في الشهر الاخير
سوف يتطلب ربما سنوات لاستخلاص
دروسه بشكل عملي في اتجاه التأسيس
على هذه اللحظة التاريخية التي
بلغت فيها المصالحة الوطنية ارقى
تجلياتها. الا انه يمكن منذ الآن،
ومهما تكن التطورات المقبلة،
الاستنتاج ان "انتفاضة الاستقلال"
نجحت في انجاز مكسبين هائلين: طي
صفحة الهيمنة "الخيّرة" التي
مارسها الحكم البعثي في دمشق على
الحياة العامة في لبنان، وتعرية
النظام الامني اللبناني كمدخل
لتفكيكه.
فأياً تكن توجهات الايام المقبلة،
فقد بات اكيداً ان النظام الامني
غير قابل للاستدامة، وان رهانات
اسياده على امكان تبييض صورتهم،
وآمالهم في المحافظة على مكانتهم
في اي تركيبة باطلة، قد سقطت
جميعها. فحتى اذا افترضنا ان قادة
الاجهزة الامنية نجحوا في اقناع
العالم بأنهم براء من دم رفيق
الحريري، فان فتح السجال حول
النظام الامني فتح باب استعادة
المسؤوليات الوخيمة التي تحملها
هذا النظام برموزه القضائية
والميدانية في عدد من الجرائم منذ
نهاية الحرب، من كنيسة سيدة
النجاة الى اغتيال رمزي عيراني،
مروراً بالتلاعب بقضية الشبكات
الاسلامية السنية. ولن يغير شيء
الابتزاز السافر الذي يخيّر
اللبنانيين بين الاستقلال والامن
بحجة موجة الحوادث الامنية
الحاصلة منذ ثلاثة اسابيع، من
اطلاق النار في ساحة ساسين الى
تفجير الكسليك. على النقيض من ذلك
تماماً، فإن من يقف وراء هذا
الابتزاز، سواء اكان سياسياً ام
مسؤولاً في جهاز امني، يلغي اي
امل له في ان يبقى له اي حضور في
الحياة العامة اللبنانية، اللهم
في السجن. فهؤلاء يضعون انفسهم في
موقع من يخطف رهينة، واي رهينة؟
ذلك ان من يراد خطفه صراحة هو
الشعب اللبناني ليس الا.
وبالطريقة نفسها، فقد بات اكيداً
ان هيمنة الحكم البعثي على
السياسة اللبنانية باتت من
الماضي. فحتى اذا افترضنا ان
الحكم السوري نجح في اقناع العالم
بانه براء من دم رفيق الحريري،
فان الاعتراض الشعبي العارم على
الجريمة قد فتح باب استعادة
المسؤوليات الوخيمة التي تحملها
المتبقي من البعثين في كبت
الحريات العامة في لبنان، وفي
ابقاء حياته السياسية وحياة
السياسيين فيه تحت التهديد الدائم
للمقصلة، من اغتيال كمال جنبلاط
الى سجن سمير جعجع، مروراً بقتل
سليم اللوزي والشيخ حسن خالد
ومهدي عامل وحسين مروة والكثيرين
غيرهم. كذلك لن يغيّر شيئ
الابتزاز المفضوح الذي تفوّه به
عدد من المسؤولين السوريين الذين
يقولون صراحة للبنانيين ان مصيرهم
من دون الهيمنة هو الخراب، وعلى
رأس هؤلاء بشار الاسد نفسه، من
دون ان ننسى الوزيرين اللامعين
فاروق الشرع ومهدي دخل الله. على
العكس تماماً، فان هذا التهديد
بالكاد المبطن يمنع نهائياً الحكم
السوري من ان يدعي بعد الآن انه
يحمي السلم الاهلي في لبنان، هذا
الادعاء الباطل منذ البداية.
اما وقد صدر التقرير، فقد صار
جلياً ان الحكم البعثي الذي طالما
سعى الى ان يدفع اللبنانيون ثمن
الضغوط من اجل انسحاب قواته من
لبنان، انما صار هو في موقع من
يدفع الثمن، وانه قد يدفعه ابتداء
من الآن اضعافاً اضعافاً مما كان
سيكلفه الانسحاب لو اقر به طوعاً.
|