Beirut Letter/articles/nassir assaad

 

المستقبل 02-06-2006

تقرير قصير إلى سمير

نصير الأسعد

استشهادُك يا سمير في مثل هذا اليوم من العام الماضي بقدر ما أصابَ أفئدة محبّيك بجروح بليغة، فتحَ عيون رفاقك جميعاً على حقيقة "المشهد" في لبنان.
وحقيقةُ "المشهد" يا سمير هي ما كنت حذّرتَ منه في وقتٍ مبكّر جداً من عمر انتفاضة الاستقلال التي قامت على دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكنت أنت "عقلها التنظيمي".
كُنتَ حذّرت من تقطّع نَفَس تلك الانتفاضة.. مِن توهّم قياداتها أنّ الاستقلال والسيادة والحريّة معطيات ناجزة.. ومِن النوم على "حرير" الانسحاب السوريّ.. ومن "نصف النجاح" على الطريقة اللبنانيّة وأنصاف الحلول.
جاء استشهادك ليفتحَ البصيرة بعد البصر. فكما كنتَ تقول دائماً وكما كنتَ تفكّر.. فإنّ النظام السوريّ الذي اهتزّت أركان ملحقه في لبنان، والذي "استطاب" إلحاق لبنان واستتباعه، والذي يتغيّر كلّ شيء من حولِه ولا يتغيّر.. لم "يهضم" حقيقةَ أنّ في لبنان شعباً يرفض ذلّ الاستتباع والوصاية وقرّر المضيّ في محاولة العودة إلى الدار مستبقاً ذلك باستبقاء آلة الموت والقتل من مخابراته وفرق الإرهاب المتعاونة معه.. فكان اغتيالُك وفي عزّ انتخابات حرّة تترجم السيادة اللبنانيّة عنواناً تحذيرياً من هذه "العودة".
ومنذ عام لم يُكتب للبنان الاستقرار. استمرّت آلة القتل فحصدت جورج حاوي.. وزميلك جبران تويني. استغلّ النظام السوريّ ـ وتوابعه في لبنان ـ ظروفاً كثيرة منها "الموضوعيّ" ومنها "الذاتيّ". استغلّ أخطاء كثيرة اقترفها فريق 14 آذار.. واستغلّ خيانات أخرى "على" فريق 14 آذار. استغلّ في بعض الأحيان ضعفاً في الموقف العربيّ إذ أرهب بعض العرب ونام على خوفهم منه. وعقد العزم على أن يدمّر إن استطاع إنجاز الاستقلال وعلى أن يُسقط مَن يرى فيه نظاماً معادياً في لبنان.
لكنّ البصيرة التي تفتّحت باستشهادك يا سمير توصّلت إلى قناعةٍ أؤكّد لك اليوم أنّها راسخة بأن لا مهادنة مع الطموحات غير المشروعة لنظام دمشق في تحطيم و"طننا". كنتَ يا سمير سبّاقاً في اكتشاف سرّ العلاقة بين ربيع لبنان وربيع سوريّا، لكن أحداً لم يكن يجرؤ على الجهر بموافقته على بُعد نظرك.
وحده صديقك الزعيم وليد جنبلاط "أعاد" اكتشاف السرّ الدفين.. فكان قاطعاً بحتميّة التغيير في دمشق.. وقال انّ سمير قصير كانَ على حقّ. حتّى مَن هو مقتنع في عمق عمقه بصحّة ربطك بين الربيعَين أقنع نفسه بأن لا مصلحة للبنانيّ بـ"التدخّل" في هذا الموضوع.. ومع ذلك أخذ "التاجر" السياسيّ السوريّ لحسابه أنّ العرب لا يريدون تغييراً سوريّاً وأنّ الدولة الكبرى ليس في حسابها ما هو أكثر من تغيير السلوك.. وأن ليس ثمّة عملٌ لبنانيّ نحو سوريّا.. فقرّر أن يُسقط نظامـ"نا".
سمير،
أخطاء اقترفت لكن جلد الذات لا يفيد. المهمّ أنّ اليوم ثمّة إرادة في استكمال المسيرة. جنرالات كُثر ينامون اليوم في السجون، لكن دمشق لا تنام عن نواطيرها، ولذلك فإنّ خطّك الذي انتصر "نظريّاً" لا بدّ أن ينتصر "عملياً".
سمير، لا مفرّ لرفاقك من أن يستلهموا فكرك وبُعد نظرك في 8 حزيران ليعرفوا إلى أين نُقاد وإلى أين وكيف يجب أن نقود. لا مفرّ مِن أن تمارس الأكثريّة صفتَها كأكثريّة.
سمير،
كتبتُ يوم استشهادك أنّك كنت الأجرأ لا بل كنت الجريء وحدَك. وكتبت يومذاك أقول إنّ جرأتك في حياتك وفي استشهادك يجب أن تطلق ألسنتـ"نا" وأقلامـ"نا" من عقالها. اللهم اشهد أنني قد فعلت. اللهم اشهد أنّني بحاجة إلى "شفاعتك".
لكَ منّي ومن زملائك في "المستقبل" قُبلة.. ولجريدتك "النهار" المحبّة.. ولحركتك "اليسار الديموقراطي" واجب الاعتراف بأنّها كانت "الأقلّ خطأ" في مسيرتها نحو تشكيل "يسار ميثاقي".. وإلى زوجتك جيزيل واجب الاعتراف بشجاعتها وتألّقها.. وإلى كريمتيك أهدي سلفاً ربيع لبنان الآتي لا محالة.

 

عودة الى مراجعات الصحف

الأرشـيـف